الحكيم الترمذي
14
كيفية السلوك إلى رب العالمين
إذا لم يتقدم فتحه رياضته ، لا يجيء منه رجل أبدا ، إلا في حكم النادر . فإذا اعتزلت عن الخلق ، فاحذر من قصدهم إليك ، وإقبالهم عليك ، فإنه من اعتزل عن الناس ، لم يفتح باب قصد الناس إليه ، فإن المراد من العزلة ، ترك الناس ومعاشرتهم ، وليس المراد من ترك الناس ، وترك صورهم ، وإنما المراد ألّا يكون قلبك ، ولا أذنك ، وعاء لما يأتون به ، من فضول الكلام ، فلا يصفو القلب من هذيان العالم . فكل من اعتزل في بيته ، وفتح باب قصد الناس إليه ، فإنه طلب رياسة وجاه ، ومطرود عن باب اللّه تعالى ، والهلاك إلى مثل هذا أقرب من شراك نعله ، فاللّه ، اللّه ، تحفظ من تلبيس النفس في هذا المقام ، فإن أكثر الناس هلكوا فيه . من آداب الخلوة : فأغلق بابك دون الناس ، كذلك باب بيتك وبينك وبين أهلك ، واشتغل بذكر اللّه تعالى ، بأي ذكر شئت من الأذكار ، وأعلاها الاسم : اللّه . اللّه . لا تزيد عليه شيئا ، وتحفظ من طوارق الخيالات الفاسدة أن تشغلك عن الذكر ، وتحفّظ في غذائك ، واجتهد أن يكون دسما ، ولكن من غير حيوان فإنه أحسن . واحذر من الشبع ، ومن الجوع المفرط ، والزم طريق الاعتدال في المزاج ، فإن المزاج إذا أفرط فيه اليبس ، أدى إلى خيالات وهذيان طويل . . إذا كان الوارد ، هو الذي يعطي الانحراف ، فذلك هو المطلوب ، وتفرق بين الواردات الروحانية الملكية ، والواردات الروحانية النارية الشيطانية ، بما تجده في نفسك عند الوارد . وذلك أن الوارد إذا كان ملكيا ، فإنه يعقب بردا ولذة ، ولا تجد ألما ، ولا تتغير لك صورة ، ويترك علما . . وإذا كان شيطانيا ، فإنه يعقب تهريسا في الأعضاء ، وألما ، وكربا ، وحيرة ، ويترك تخبيطا . فتحفّظ . ولا تزال ذاكرا ، حتى يفزع « 1 » قلبك إلى اللّه تعالى ، وهو المقصود . واحذر أن تقول : ماذا ؟ وليكن عقدك عند دخولك إلى خلوتك : أن اللّه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
--> ( 1 ) الإفزاع والإخافة والإغاثة . يقال : فزعت إليه فأفزعني ، أي لجأت إليه من الفزع فأغاثني . ( الصحاح في اللغة للجوهري ) .